رفيق العجم
مقدمة 28
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
وخلاصة القول إن مفهوم السببية والتعليل عند الأشاعرة ، بل المتكلّمين ولدى أهل اللغة ، مفهوم علاقة وصل . فالنهج يسير في السببية تكرارا وصولا إلى الفاعل الأول رابطا الطبيعة بما وراء الطبيعة . وخشي الأشاعرة من الموقف الاعتزالي القائل بأن اللّه لا يجوز أن يكون فاعلا للقبيح ، لعلمه بقبحه وبغناه عنه . فجعلوا العلّة هي العلم بالقبح عند الإنسان ، فهي في اللّه صفة العلم وليست علّة ، منعا من وجود سبب ومسبّب في ذات اللّه . فنادى الأشاعرة بالصفات السبع في اللّه من دون أن يعني ذلك وجود ثنائية : ذات وحال أو جوهر وصفة . ورأى الأشاعرة أن اللّه عالم بعلم ، ولا بدّ من إثبات صفة العلم له . والأمر عينه في باقي الصفات . والصفات ليست زائدة على الذات إنما هي قائمة فيها ، فهناك حي وحياة ، عالم وعلم ، مريد وإرادة إلخ . . . خلاصة الأمر أن المتكلّم عندما نظر إلى العالم والعلم استمدّ الأسماء من سلطة اللغة واشتقاقاتها ، وعندما استدلّ توجّه إلى الشاهد الإنسان ، فكانت سلطة فعل الإنسان المجرّب المحسوس هي المتحكّمة في تصوّره إذ « لا معنى لكونه عالما إلا كون الذات على صفة وحال ، تلك الصفة والحال هي العلم فقط » « 1 » ونتساءل هنا : إذا كان العلم حالا وواقعا بعد الجهل ، فله صفة الحدوث الزمني ، فكيف يمكن نقل هذا التصوّر إلى الغائب اللّه الذي ينافي تصوّره اتّصافه بالجهل أو حلول العلم فيه ؟ لهذا نرى أن النهج الكلامي ماثل وشابه وجوّز الانتقال من الشاهد إلى الغائب ولم يبرهن . وقد سلك دربا جدليّا مؤدّاه التسليم بمقدمة توكيدية مشهورة ، هي وحدانية اللّه وقدرته وفعله مطلقا . ثم اعتمد الاستدلال العقلي والمشابهة والمقارنة ، جاعلا اليقين مقدّمة انطولوجية مسلّمة . لقد باين كل هذا الموقف الفلسفي ، فلا عجب أن ينبري الإمام الغزالي لدحض هذا الموقف الفلسفي لمضادته أساس البنيان الذي ارتكز عليه المتكلّمون ، والنهج الذي ساروا فيه ورسموا العوالم على أساسه . 2 - التيار الفلسفي : يمثّل هذا التيّار منظومة معرفية داخل التراث العربي والإسلامي ، وهو جزء من الموروث الثقافي . إلا أن هذه المنظومة تأسّست بجزء كبير منها على الاتجاه العقلي البرهاني وعلى التجريد العقلي والتصوّر الإنسانيين . وقد قامت على يد اليونان خير قيام ونقلها العرب النصارى
--> ( 1 ) الغزالي ، الاقتصاد في الاعتقاد ، بيروت ، دار الأزمنة ، 1969 ، ص 151 .